الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
111
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
يجرى في عروقي بين الجلد واللحم » « 1 » ، على أنه محتمل أيضا . قال بعض العارفين : الذي خلص اللبن من بين فرث ودم قادر على أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل ، وهو كما قال ، لكن اطردت العادة بأن العلم بالتعلم والذي ذكره قد يكون خارقا للعادة فيكون من باب الكرامة . وقال العارف ابن أبي جمرة : تأول النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - اللبن بالعلم اعتبارا بما بين له أول الأمر حين أتى بقدح خمر وقدح لبن ، فأخذ اللبن فقال له جبريل : أخذت الفطرة ، انتهى . وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة ، كما أخرجه البزار من حديث أبي هريرة رفعه : اللبن في المنام فطرة . وذكر الدينوري : أن اللبن المذكور في هذا يختص بلبن الإبل ، وأنه لشاربه مال حلال وعلم ، قال : ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضا ، ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم ، وألبان الوحش شك في الدين ، وألبان السباع غير محمودة ، إلا أن لبن اللبوة مال مع عداوة لذي أمر ، وفي الحديث : أن علم النبيّ - رضى اللّه عنه - باللّه لا يبلغ أحد درجته فيه ، لأنه شرب حتى رأى الري يخرج من أطرافه . وأما إعطاؤه فضله لعمر ، ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم باللّه بحيث كان لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، ووجه التعبير في الحديث بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع ، وكونهما سببا للصلاح ، فاللبن للغذاء البدني ، والعلم للغذاء المعنوي . ومن ذلك رؤيته - صلى اللّه عليه وسلم - القميص وتعبيره بالدين . وعن أبي سعيد الخدري - رضى اللّه عنه - ، عن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون علىّ وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ، ومنها ما يبلغ دون ذلك ، ومرّ علىّ عمر وعليه قميص يجره » . قالوا : ما أولته يا رسول اللّه ؟ قال : « الدين » « 2 » ، رواه البخاري . وفي رواية الترمذي الحكيم من طريق أخرى في هذا الحديث ، فقال أبو بكر : علام تؤول هذا يا رسول اللّه ؟
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في « المستدرك » ( 3 / 92 ) ، والطبراني في « الكبير » ( 12 / 293 ) ، وفي « فضائل الصحابة » ( 1 / 253 ) ، من الطريق المذكور . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 23 ) في الإيمان ، باب : تفاضل أهل الإيمان في الأعمال ، ومسلم ( 2390 ) في فضائل الصحابة ، باب : من فضائل عمر - رضى اللّه عنه - .